السيد علي عاشور
85
موسوعة أهل البيت ( ع )
وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ « 1 » حيث قرن الإمامة بالهداية التي هي بأمر اللّه تعالى ، أي الإمام يهدي الناس إلى سواء السبيل بأمره تعالى وسنوضح ذلك مزيد إيضاح . ثمّ أنّه ذكر غير واحد من المفسرين كالنيسابوري وصاحب المنار وغيرهما ، أنّ المراد بالإمامة الرسالة والنّبوة ، وقال الأوّل : الأكثرون على أن الإمام ههنا النّبي لأنّه جعله إماما لكلّ النّاس ، فلو لم يكن مستقلّا بشرع كان تابعا لرسول ويبطل العموم ، ولأنّ إطلاق الإمام يدلّ على أنّه إمام في كلّ شيء ، والذي يكون كذلك لا بدّ أن يكون نبيّا ، ولأنّ اللّه تعالى سمّاه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمام كقوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا « 2 » . لا على من هو أدون ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة ، ولقد أنجز اللّه تعالى هذا الوعد فعظّمه في عيون أهل الأديان كلّها ، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم . وكفى به فضلا أنّ جميع أمة محمّد يقولون في صلاتهم : اللّهم صل على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم . ( انتهى ) . أقول : الصواب أنّ إبراهيم فاز بالإمامة بعد ما كان نبيّا ، والإمامة في الآية غير النّبوة ، وذلك لوجهين : الأوّل : أنّ جاعل عمل في قوله تعالى ( إماما ) أعني أن إماما مفعول ثان لقوله ( جاعلك ) واسم الفاعل إنّما يعمل عمل الفعل وينصب مفعوله ، ولا يضاف إليه ، إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ، وأمّا إذا كان بمعنى الماضي فلا يعمل عمل الفعل ، كذلك ولا يقال زيد ضارب عمرا أمس ، نعم إذا كان صلة لأل فيعمل مطلقا كما حقق في محلّه . حكي أنّه اجتمع الكسائي وأبو يوسف القاضي عند الرشيد فقال الكسائي : أبا يوسف لو قتل غلامك فقال رجل أنا قاتل غلامك بالإضافة ، وقال آخر أنا قاتل غلامك بالتنوين ، فأيهما كنت تأخذ به ؟ فقال القاضي كنت أخذتهما جميعا . فقال الكسائي : أخطأت إنّما يؤخذ بالقتل الذي جرّ دون النصب ، والوجه فيه أن اسم الفاعل المضاف بمعنى الماضي ، فيكون إقرارا ، وغير المضاف يحتمل الحال والاستقبال أيضا فلا يكون إقرارا . وما نحن فيه من قبيل الثاني كما لا يخفى . وبالجملة إذا كان اسم الفاعل يعمل عمل فعله إذا لم يكن بمعنى الماضي ، فالآية تدل على أنّه تعالى جعل إبراهيم إماما إمّا في الحال أو الاستقبال ، وعلى أي حال كانت النّبوة حاصلة له قبل الإمامة فلا يكون المراد أو الاستقبال وعلى أي حال كانت النّبوة حاصلة له قبل الإمامة ، فلا يكون المراد بالإمامة في الآية النبوة .
--> ( 1 ) سورة السجدة ، الآية : 24 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 73 .